القرطبي
394
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
دخل فيها أمرا مطلقا ، ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبينة . واحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذر وبحديث الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا : يا رسول الله ، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة ؟ قال : ( بل لنا خاصة ) . وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق والشام ، إلا شئ يروى عن ابن عباس والحسن والسدي ، وبه قال أحمد بن حنبل . قال أحمد : لا أرد تلك الآثار الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن أبيه وبقول أبي ذر . قال : ولم يجمعوا على ما قال أبو ذر ، ولو أجمعوا كان حجة ، قال : وقد خالف ابن عباس أبا ذر ولم يجعله خصوصا . واحتج أحمد بالحديث الصحيح ، حديث جابر الطويل في الحج ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة ) فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم لابد ؟ فشك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : ( دخلت العمرة في الحج - مرتين ( 1 ) - لا بل لا بد أبد ) لفظ مسلم . وإلى هذا والله أعلم مال البخاري حيث ترجم " باب من لبى بالحج وسماه " وساق حديث جابر بن عبد الله : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول : لبيك بالحج ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة . وقال قوم : إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاحلال كان على وجه آخر . وذكر مجاهد ذلك الوجه ، وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا فرضوا الحج أولا ، بل أمرهم أن يهلوا مطلقا وينتظروا ما يؤمرون به ، وكذلك أهل على باليمن . وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدل عليه قوله عليه السلام : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى وجعلتها عمرة ) فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به ويأمر أصحابه بذلك ، ويدل على ذلك قوله عليه السلام : ( أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة في عمرة ) .
--> ( 1 ) قوله : مرتين . أي قاله مرتين .